احمد حسن فرحات

27

في علوم القرآن

ومن باب أولى أن يخرج الحديث القدسي إن قلنا إنه منزّل بمعناه فقط دون لفظه . وقد رجّح الدكتور دراز نزول الحديث القدسي بالمعنى فقط فقال : « وهذا هو أظهر القولين فيه عندنا : لأنه لو كان منزلا بلفظه لكان له من الحرمة والقدسية في نظر الشرع ما للنظم القرآني ، إذ لا وجه للتفرقة بين لفظين منزلين من عند اللّه ، فكان من لوازم ذلك وجوب المحافظة على نصوصه ، وعدم جواز روايته بالمعنى إجماعا ، وحرمة مس المحدث لصحيفته . ولا قائل بذلك كله . وأيضا فإنّ القرآن لما كان مقصودا منه مع العمل بمضمونه شيء آخر هو التحدي بأسلوبه ، والتعبد بتلاوته احتيج لإنزال لفظه . والحديث القدسي لم ينزل للتحدي ولا للتعبد ، بل لمجرّد العمل بما فيه ، وهذه الفائدة تحصل بإنزال معناه ، فالقول بإنزال لفظه لا داعي في النظر إليه ، ولا دليل في الشرع عليه ، اللهم إلا ما قد يلوح من إسناد الحديث القدسي إلى اللّه بصيغة : « يقول اللّه تبارك وتعالى : كذا » لكن القرائن التي ذكرناها آنفا كافية في إفساح المجال لتأويله بأن المقصود نسبة مضمونه لا نسبة ألفاظه ، وهذا تأويل شائع في العربية . . . ثم يقول الدكتور دراز : فإن زعمت أنه لو لم يكن في الحديث القدسي شيء آخر مقدّس وراء المعنى لصحّ لنا أن نسمي بعض الحديث النبوي قدسيا أيضا ، لوجود هذا المعنى فيه ، فجوابه : إننا لما قطعنا في الحديث القدسي بنزول معناه ، لورود النص الشرعي على نسبته إلى اللّه ، بقوله صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم « قال اللّه تعالى كذا » سميناه قدسيا لذلك ، بخلاف الأحاديث النبوية ، فإنها لما لم يرد فيها مثل هذا النص جاز في كل واحد منها أن يكون مضمونه معلما بالوحي وأن يكون مستنبطا بالاجتهاد والرأي ، فسمى الكل نبويا وقوفا بالتسمية عند الحد